الأحد، 20 أبريل، 2014

جولة فى رأس عجوز

الذكريات.... لا تشيب...
قد ينطفئ العُمر...
ولكن وهج حب صادق لا ينطفئ ابداً...
ولا تندثر شعلته تحت رماد الايام...

************

مشهد (1) :
امرأة عجوز تسير بحاذية الطريق مسكة بيدها مظلة تأويها من الامطار...
ولكن أمطار الحنين الى ماضٍ فى رأسها....أكثر غزارة :

ان حبك لى هو خمر الحياة اللا مُحرم...
وحبى لك هو وتدٌ...
تستند عليه قِبلة يومك...

كيف لم تدرك حبى لك وانا التى تركتك تركض بحرية فى وديان غاباتى البعيدة التى أحيا بها وحيدة بإرادتى...

كيف لم تدرك حبى لك وأنا التى سمحت لك ان تدلف الى كهفى المُقدس..
ذاك الذى لم تدنسه أقدام بشر يوماً...
لتشاركنى تلاوة صلاتى كلما أتعبتنى الحياة...
وتشاركنى أنين الموسيقى فى صمتٍ صاخب..

كنت تركُض بكل حرية...
تصهل بكل عنفوان...
ترفض ان يُلجمك اى شئ..
حتى حب !
وأنا ارقبك من أعلى تلة ..
وأقصى ما خلقت لدى من احلام
الا تركض بعيدا..
فتفارق حدود جسدى..

كيف لم تلحظ آلاف الوجوه المُطعمة "بنعم"
التى أطلت عليك خلف وجه "لا" المُتجهم !

أشعلت فى قلبى النار ... ورحلت
وقمت انا الملم أشلاء روحى من الرماد..
واتقمص ذاتك..
لأعيش بك الى الابد !

تعاملنا معاً بالقليل من الحب..
والقليل من الذكاء...

تعاملنا بالكثير من الكبر والكبرياء..

فكان الفراق .. عقاب الزمان لكلينا...

لم نحترم يوماً آداب الحب..
ليحترمنا !

************

مشهد (2) :
تلتفت العجوز يميناً استعداداً لعبور الطريق...
فيسقط نظرها على الوان اشارة المرور...
تقفز من ذاكرتها ذكرى "عُرس" مُضاء بألوان...
وتتحدث الذاكرة :

فى كل مرة أرى فيها هذة الأضواء..
أسافر الى ما ورائها...
لأراقص طيفك على نغمات سؤال :
اتفتقدنى مثلما افتقدك ؟

اين كنت ايها الاحمق...

اتركت مكانك فى قلبى لتلحق بآخر توهمته شاغراً على سُحبٍ من وهم!

خلعت عنك ثيابك ..
وتلفعت بستائر مهدلة على نوافذ بالية..

ملفوفة بالعتق والتراب ..
وانت امام خياران :
اما ان تمزقها وينفجر جسدك دماً...
واما أن تُخفيها بغيرها جديدة
لتظل القديمة معك... 
اينما سافرت..

مالك وذاك ؟!

*************

مشهد (3) :
تسير العجوز وهى تنظر الى الارض غارقة فى افكارها واذا بها تكاد تصطدم بأحدهم
ترفع وجها فزعاً وخجلاً وهى تتمتم بكلمات اعتذار...
فتتوجم...
وتتذكر ذاك اليوم الذى قابلته فيه بعد فراق...
ومادار بينهما :

هو : كيف حالك  بعدى ؟

هى : مازالت تغدقنى الحياة بالعطايا.

هو : لم تسطع شمسى يوماً بعدك... ظللت انتظرك كثيرا فى الظلام.
اعلم تماماً انك لم تعيشى هذا فأنتى كنتى دوماً مطلع شمسك لا الشمس هى ما تطلع لك..

ثم أكمل مداعبا : بالمناسبة.... الا زلتى تخافى الظلام ؟

هى : لا , لم أعد اخشاه
ولم أعد أخشى شيئا آخر..

هو : كبرت تلك الطفلة داخلك اذن..

هى : ليس تماما .. فقط أدركت ان
هناك فى الواقع ما توهمته يُخيف أكثر...
واعتدت عليه..

هو : مثل ماذا ؟

هى : مثل فراقك !

************


مشهد (4) :
توقف المطر...وتوقف معه تدفق الذاكرة...
مر بجانب العجوز رجلان يتجاذبان اطراف الحديث...
يقول احدهما لصديقه" لو كان أمامك الآن... ماذا ستقول له ؟"

ابتسمت المرأة.... وكأنها اشارة القدر لها...
فتُجيب افكارها.... سأقول له : 

الآن وقد افترقنا..
أستطيع أن احبك أكثر...
لأنه صار بوسعى أن أراك بوضوح...

كنت درباً رائعاً..
ولكن
آن لرحلتى أن تنتهى...




الخميس، 10 أبريل، 2014

حُلمى الصغير



" قف على ناصية الُحلم... وقاتل !"
محمود درويش

*************



قال : " تحلم الوردة بالاستمتاع برفقة النحل...لكن النحل لا يأتى...

فتسألها الشمس : أولم تتعبى من الانتظار ؟
تُجيب : بلى.... لكن إن اطبقت بتلاتى...فسأذبل وأموت ! " "


قُلت : "هذا فى الحكايات ..
فى واقعنا سيختلف السيناريو كثيراً... فتسخر الشمس من الوردة بل وتصفها بالغباء...
وقد تجدها الاجرام السماوية كلها وكائنات الارض مادة خصبة للضحك والسخرية...ذلك اننا فى واقعنا... لا نلبث ان نرى من يُخطئ " فى نظرنا" لننصب له محاكمةً لاذعة بألستنا متناسين اننا يوماً كنا او سنكون فى نفس موضعهم "

قال: " نعم.... عندك حق ...
هذة هى طبائع البشر....نحرم لغيرنا ما نشرّعه لانفسنا...متناسين ان المنع والتشريع هى فقط من طبائع الخالق...
نهاجمهم ونصفهم بأشياءٍ لا تُوصف.... ونحن عندما نأتى بنفس افعالهم لا نريد ان نسمع كلمة عليها ممن حولنا ...
ولكن تذكرى جيداً.. ان من أراد اشعال النار..فعليه ان يركز طاقة الشمس كلها فى بقعة واحدة..

كذلك أنتِ... عليك بتركيز نارك الداخلية كلها صوب حلمك...ولا تكترثى بما حولك...فكلها تبقى ظلال..
وفى يوم من الايام.... سنتطفئ النار ...وسيختفى كل شئ من حولك... ولن يرشدك وقتها سوى نور مُستمد من قوة غامضة داخلك توجهك دوماً...وستحتفى بها بكل اجلال واحترام !! "


***************

الحُلم...كما الحب...وكما الحرب...
كل شئ فيهم.. مباح!!

آمن بذلك لتخسر حُلمك عند اول منعطف تتقابل فيه سيوف الواقع مع سيوف حُلمك...
فتستخدم انت ايمانا بتلك المقولة اسلحة مُحرمة...
لتصنع بيديك معركة غير متكافئة...
قد ينتصر فيها حُلمك...
ولكنك لا تلبث ان تخسر الا نفسك !!

****************
*
كُل منا يمتلك حُلماً...
ثمة احلام تتحقق...
وثمة احلام تبقى قيد الانتظار....
وثمة احلام لا تتعدى احبار فى دوالٍ.... لم تمسها ريشةً بعد..
ذلك , ان الحُلم يحتاج الى شجاعة تحويله الى كتابة اولاً 
ثم الى صبر تحويله الى واقع ثانيا !!

****************

الى اين تذهب الكلمات بعد ان نسمعها ؟!

ان كان فى حياتك حُلم... فاعلم ان الكلمات تحتل الالوان فى لوحة حُلمك التى تتراءى امام عينيك ليل نهار...
وعلى حسب نوعها... يكون لونها...

ان ريشة القدر سخية بكل الالوان.. وتترك لك فقط انت حرية اختيار الوان لوحتك...

احترس من الكلمات... فانها اقوى من الوحى احيانا لحُلمك...
وأقوى من سكين كافٍ لتمزيق اللوحة احياناً اخرى !!

*****************
*
الحُلم مُكلف ...
انت وحدك من تحدد ثمنه...
لا احد يدرى كم دفعت... ولا كم انتظرت...ولا كم اجتهدت.....ولا عدد اللعنات التى طاردتك جراء قولك "لا" دفاعا عن حُلمك واخلاصا له ...

لا تضع فى اعتبارك خساراتك....
لان مكاسب تصديق حُلمك أكبر كثيراً مما تتخيل...

وما تقدير الخسارات الا وسيلة لبلوغ تلك المكاسب ..تقديرها فقط..
اما تقديسها والبكاء عليها... فيلقى بك فى مزايدة كبرى على حلمك... 
فيموت أرخص ميتة !!

***************
*
الأحلام كما الناس ...
تعيش فى اوطان من وهم...
حتى عندما يصدمها الواقع ..نرهب من حقيقتها التى وهمناها أخرى يوماً...
فنجدها ضائعة بعدما حسبناها مفكرة....
ونجدها محتاجة بعدما حسبناها غنية....
ونجدها فاقدة لشئ ما بعدما حسبناها كاملة.....

ويغدو شأنها شأن أقوى الناس .... فى أمس الحاجة فقط الى من يحبها ويحتضنها ويعيش بها ...

الأحلام كما الناس ...
نأتى اليها دوماً متأخرين قليلاً..
نطرق ابوابها بحذر مصيغين عبارات التبرير ذاتها : (لا هدف لى... لا حلم لى ... حلمى لن يصدقه الناس ... الخ )

ولكنا كنا متأخرين كفاية ليصفع الحلم فى وجهنا الباب...
ويتركنا وحدنا فى برارى الواقع...
بلا هدف...
بلا أمل !

ستشعر عندما تنصرف عن حُلمك بشئ آخر بنوع من الخيانة...
 خيانة انك لم تمنح أجمل ما فيك لمن يستحق أكثر !!
فتغدو روحك خاوية.... لا تعيش الا لتموت...
وموعد موتها ليس بعد عمرٍ طويل...
بل هو كل يوم !

****************
*الخلاصة :

لا تنتظر احداً ليحقق حلمك....

فلن يأتى أحد...

ولا تنتظر " الوقت المناسب " ... ف "الآن" هو دوماً الوقت المناسب و"غداً" قد لا يكون مناسباً !

حُلمك هو شجرة أنسك فى غابة الحياة.... شجرة اوراقها من نور...
ان ماتت... ستلبث وحيداً فى برارى مظلمة...

لا مؤنس لك سوى صوت آخر انفاسها وهى تهمس لك بعينين حاجظتين : " تركتنى أموت ! "