السبت، 3 أغسطس، 2013

الموت يُخفى وراءه الحياة

-"لا أُخفى عليك يا مولانا....ان حال هذة الفتاة خطر للغاية...انها مسألة شهورٍ فقط!"

-"ألا يوجد أى أمل أيها الطبيب؟"

-"الأمل فى الله وحده...طبياً لا يوجد"
-"يا للمسكنية...."


******************

دخل الشيخ إمام الحارة وهو مُثقّل بالهموم...
كيف لا وقد بلغه من ساعات خبر أن الامل مفقود فى تلك الفتاة ذات ال 25 عاماً التى تُدعى أحلام..
انها ليست اى فتاة...انها ابنته التى اوصاها عليه صديقه اذا ما اتاه امر الله..

كان رأسه يحوى اسئلة كثيرة تطارد اجابات ولا تدركها..
يالحكمة الاه فى ان اخفى علينا موعد ذلك الضيف اللامنتظر!!
يالصعوبة ان تعلم الغيب...او حتى تتوقعه...
انه غيبٌ غير حاص به...فيكف لو كان خاصاً به؟
يالغباء الانسان!!
يعيش حياته كما لو كان ملاكاً...
يرتدى وجوهاً مقنّعةً بالعدل 
مُطعّمةً بالمبادئ..
يتحايل على الحياه ويتهمها بشيزوفرنيا الفرح والحزن..
حتى عندما يأتيه الموت الذى هو ابشع الحقائق لكونه أصدقها..
يأتيه فى صورةٍ ملائكية!!
تُرى,,من منا يسخر من الاخر يا ملك الموت؟؟
ضحكت افكار الشيخ امام!!
ملك...الموت!!
كلمتان متضادتان
صورةٌ اخرى من شيزوفرنيا الحياة التى أضنت الانسان بحثاً!!

بينما هو سائر..وجد أمامه الحاج عبد العال
-"مولانا"
-"السلام عليك يا حاج عبد العال"
-"مولانا...أقصدك فى طلب ولا تعزه علىّ"
-"طبعا يا حاج..ما تأمر به"
-"اقترب يا طارق"
اقترب منها شابٌ يبدو عليه التهذيب كان واقفاً على بُعد خطوات منهما..
-"طارق يا مولانا..طبيبٌ سورى يبحث عن مكان ليسكن به..
هل غرفة السطح عندك مازالت شاغرة؟"
-"بالتأكيد"
-"هذا هو الشيخ امام يا طارق.. اما مسجدنا الصغير هذا وصاحب العمارة التى ستسكن بها"
-الشيخ امام: "قلت لى انك طبيب؟"
-طارق: "نعم يا مولانا"
-"لا يليق بطبيب مثلك ان ينزل بغرفة فوق السطوح..
سأُعطيك شقة صغيرة وايجارها نفس ايجار الغرفة
واول 3 شهور بلا مقابل..اعلم ما تمر به الان
انت فى بلد الكرم"
-"دُمت لنا يا مولانا!"

**********************

لم يكد عصر اليوم ينقضى حتى استقر طارق فى شقته...
طارق هو شاب يبلغ من العُمر اثنين وثلاثون عاماً
حاله مثل كثير من السوريين..
عندما تضع الحرب اوزارها...لا تسأل اولاد وطنٍ عما حل بهم!!
فما بالك لو كان مُضرم هذة الحرب هو الوطن نفسه!!

اىُّ وطنٍ ذاك الذى تُسمع فيه أصوات السلاسل أكثر من نشيد الفرح والنصر!!
واذا تألم أصحاب القيود..اطبق عليهم كفيه واحالهم تراباً القاه على رؤوس من تسول أنفسهم كسر هذة الجنازير..
واذا بهؤلاء ينفضوا عن رؤوسهم هذا الغبار ويستكملون حياتهم وكأن شيئاً لم يكن!!
وكأن وطناً لم يمت!!

واليوم..بعد أن قرروا ان يصيروا ممن يلقوا التراب لا من يُلقى عليهم..
ارسل اليهم الوطن رسائل تهنئةٍ عبر الرصاص
واضرم النيران فى جثث من ماتوا!!
لا حاجة لكم ان تنفضوا الغبار..
يكفى ان ترفعوا رؤووسكم وسيسقط وحده!!
ان ترابٍ من ذل لا يستقيم فوق هاماتٍ مرفوعة
ليتنى مت يا وطنى برصاصةٍ منك
سأموت سعيدا ان أحشائى اسطاعت ان تشتم - ولو ميتاً- رائحة ترابك الذى اختلط بتراب من ماتوا
فصار مسكاً
حتى وان كانوا ماتوا بيديك!!
اىُّ حبٍ ذاك!!

سمع طارق صوت الباب فاذا به الشيخ امام
-"السلام عليك يا طارق يا بنى
هذا هو غذائنا لنتناوله معاً"
-"لم يكن له داعٍ يا مولانا"
-"انت فى مصر..بلد الكرم...وهذا ليس بشئ...
اخبرنى يا طارق..اى تخصص انت؟"
-"اورام يا مولانا"
سكت الشيخ قليلاً
-"ما بك سيدى"
-"اريد ان اعرض عليك بعد التحاليل والاشعات واخبرنى برأيك فيها"
-"بالتأكيد"
-"سآتيك بعد دقائق.."

********************

جلس طارق مفكراً طويلا وهو ينظر الى الاشعات تارة والى التحاليل تارة اخرى وأحيرا قال:
-"هل هذة لك يا مولانا"
-"لا...انها لفتاة ابنة صديقى"
-"ياللمسكينة...ان حالتها متأخرة للغاية!
الم تعرضها على استشارى؟!
-"بلى..قال مثلما قلت انت الان"
-"فى الطب لا علاج لمثل تلك الحالات المتأخرة..نتركهم يموتوا فى سلام ف.."
قطع طارق كلامه وهو يرى دموع الشيخ امام
-"مابك يا سيدى؟"
-"ابكى على حال تلك المسكينة...ان احلا تبلغ من العمر 25 عاماً..مات والداها فى حادث من 5 سنوات وانا صرت مسئولا عنها
خُطبت لشخص احبها كثيرا واحبته ولكنه تركها عندما علم بمرضها!
والان هى تجلس تنتظر الموت كيف تريدنى الا ابكى!!"

واجهش الشيخ امام بالبكاء وطارق يكاد يتمال نفسه قم اكمل الشيخ :
-" ليتنى استطيع ان افعل شيئاً لهذى الفتاة!!
اعيدها الى الحياة فيها تبقى لها
لا شء افعله!!
انا حتى لا اقوى على خدمتها وانا بسنى هذا..هى من كان ترعانى....كيف سأقوى على فراقها!!"
واستأنف البكاء

قال طارق :" وحّد الله يا مولاى...الفتاة مازالت حية تُرزق
من يدرى ما يخفى رواءه الزمان"

قال طارق هذة الجملة بكل صدق
حقاً..من يدرى ما يخفى وراءه الزمان!!

**********************


جلس طارق ليلته الطويلة متأملاً صورة تلك الفتاة التى نسيها عنده الشيخ امام
يالها من جميلة!!

لقد كان يشعر بما تعانيه
يشعر بمعنى ان يمتلك انسان ما جمالاً ليأتى حزنٌ ينتزعه منه!!
يشعر بمعنى ان يدخل انسان ما حربٌ معلنةً نهايتها من قبل بدايتها
ان أقسى حرب نخوضها ليست تلك التى خاضها طارق مع وطنه..
ولا تلك التى تخوضها أحلام مع مرضها..
أقسى حرب تلك التى نخوضها مع أنفسنا لارغامها أن تقتنع بشئٍ ما يتنافى مع تلك المفاهيم التى أقرتها هى وأشهدت عليها ابديين
هما الزمان والدنيا
كأن تعيش حباً تُشهد عليه رمال البحار وزبدها
ثم يكون لك أن تقنع نفسك بعد فراق ان هذا الحب لم يكن بالصدق الذى توهمته!!
مفاهيمٌ لا ارتبطت بمعارف انسانية سوى بالجنون واللامنطق
اىُّ فلسفةٍ تلك التى أتت بحقيقة ان متعة الانسان فى كسر القوانين واعتلاء اللامنطق وعكس كل نواميس الطبيعة؟
انها نفس الفلسفة التى أتت بكل عظماء هذة الدنيا!!
ان العظماء ليسوا بهؤلاء الذين أقرّ لهم العالم بذ1لك
فعالمٌ تتستر عنصريته خلف قناع الديمقراطية لا يحق له أن يقر شئ سوى موقعه من الجحيم!!

بل ان العظماء هؤلاء الذين احترمهم انفسهم واطاعتهم..
أقرت هى أمامهم بأن سباقها معهم لم يكن منصفاً!!
وأن مضماره ولو اتسع بحجم الدنيا لكانوا هم الفائزين دائماً!!

لم يكن طارق يقضى ليلته هكذا سوى ليتخذ قراراً ينقله الى مصاف هؤلاء العظماء!!

*********************

-"ستتزوجها؟!!"
قال الشيخ امام مذهولاً .. "أحقاً ما تقول؟"
-"نعم.."
-"ولكنها يابنى فتاة محكوم عليها بالموت"
-"وأنا ايضاً حُكم عليا بالموت يوم فارقت وطنى..
لا شئ يمكن أن يغلب الموت سوى الحياة
أن الانسان لا يملك ان يفعل شيئا لحياته
ولكنه يملك أن يفعل للاخرين...
لقد قضيت ليلتى كلها وانا أفكر واتخذت هذا القرار..
سأتزوجها وأجعلها تقضى أجمل شهور حياتها آخرها
لتقابل الموت بصدرٍ خُضّرت أنفاسه بجنان الحياة
وأُعيد أنا الىّ بعض الحياة التى اخفاها وراؤه الموت...

ولكن يا مولانا..هناك شئ واحدُ يؤرقنى!"
-قال الشيخ امام :"ماهو؟"
-"أخاف ان أحبها!!...
مازلت اعانى آثار خيبتى الكبرى منذ أن اخفق حبى لوطنى!!
أخاف أن احبها واعيش انا بقية عمرى أعانى خيبة هذا الحب كما عانيت خيبتى فى وطنى!!"

-قال الشيخ امام :"إن خيباتنا فى أوطاننا لا تُقارن بخيباتنا فى الحب

ذلك, ان خيباتنا فى الحب داءٌ له دواء!!
يمكنك ان تتغلب عليه بحبٍ اخر جديد!!
اما خيباتنا فى أوطاننا
فلن تجد من يبيعك شيئاً لتحملها!!
لن تجد ذلك الشخص الذى سينجو منها ليخبرك كم أن الامر أسهل كثيراً من غيره!!
خيباتنا فى الحب تُفقدنا انساناً توهمناه الدنيا
أما خيباتنا فى الوطن
تُفقدنا الأرض..والدنيا...والانسانية بأكملها

تزوجها يابنى..وتأكد أن الله سيجازيك خيراً على ما فعلت فى أن تفرح هذة الفتاة "



*********************


-"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله"

أنهى الشيخ امام صلاة العشاء وجلس قليلاً لختام الصلاة
-"مولانا"
-" طارق!!
كيف حالك يابنى"
-"بخير..
هيا بنا فأبى ينتظرك وأخبرنى ان أتى لاصطحابك"

دخل الشيخ امام عمارة فارهة فى حىٍّ راقى
وصعد الى الشقة المطلوبة وقبل أن يدق الجرس اذا بالباب انفتح

-"لولا أنك اما هذا المسجد ما تركتك ابداً لتتأخر هكذا "
ضحك الشيخ امام وقال :" كيف حالك يا طارق يا بنى"
طارق :"بخير يا مولانا"
-"اين احلام ابنتى؟"
-"انها بالداخل قادمة حالاً"

-قال الشيخ امام :" والله انها المرة الاولى التى ارى فيها زوج يحتفل بالعيد الحادى والعشرين لزواجه!"

-"وكأنى احبها من جديد يا مولانا
وحبى لها يزيد يوماً بعد يوم
منذ أن شفاها الله ورزقنا بطارق
وأنا أخذت عهداً ان أعيش لهما فقط
أتتذكر يوم أخبرتك عن خوفى فى أن احبها؟"

-" أتذكر
لقد أخذت هذا العهد يابنى منذ قررت أن تسعدها وانت لا تعرفها
وها انت تجنى طيب عملك!!
هل جزاء الاحسان الا الاحسان!"


هناك تعليق واحد: