الثلاثاء، 27 أغسطس، 2013

ونس

نظرت أحلام فى ساعتها " إنها الثامنة مساءً" ,,
موعد بدء نوبة عملها فى المشفى
وصلت فى موعدها تماماً
أسرع الى حجرة الممرضات لتغير ثيابها , ما إن انتهت حتى أتت لها احدى زميلاتها قائلة :" أحلام,,,دكتور عصام يستدعيكى بسرعة,,وصلت حالة الى الطوارئ"

اسرعت الاحلام بالانتهاء مما تفعل ,اسرعت الى قسم الطوارئ لتجد ان زميلتها نادية تكفلت بالحالة مع الطبيب المختص
موقف عادى..يحدث كثيراً
لكن ما لفت نظرها حقاً هى تلك الحالة!!
كانت سيدة عجوز دخل معها المشفى عدد كبير جداً من الناس حتى أنها ظنت انها احدى الممثلين او المشهورين!

أنهت أحلام عملها فى القسم الاول من النوبتجية ثم ذهبت الى حجرة الممرضات للاستراحة واحتساء كوب من الشاى
لم تمض دقائق حتى دخلت عليها زميلتها نادية
والقت بجسدها المنهك على الكرسى بجانبها قائلةً
-نادية:" أه,,,كم أنا متعبة"
-أحلام:" ما خطب تلك الحالة؟"
-نادية وهى تُعد لنفسها كوب من الشاى :" انها سيدة تدعى الحاجة فوقية أتت بها احدى السيدات وهى مصابة بجلطة دماغية يعتقد الدكتور انها ستفقدها القدرة على الكلام,, ستمكث  فى العناية المركزة يومين,,,
أمرها غريب هذة السيدة!"
-أحلام:" لم؟"
-نادية:" أتى معها عدد كبير جدا من الناس حتى أننا ظننا فى البدء أنها احدى الشخصيات المشهورة "
-أحلام:"ربما كانت أمرأة ذات صيت فى مجالها او منطقة سكنها"
-نادية بلا مبالاة :"ربما"

واستكملا معاً كوبى الشاى

**********************

أنهت احلام عملها واستعدت للرحيل
كانت تخرج من غرفة الممرضات ليقع على يمينها القسم المحتوى على وحدات العناية المركزة
كانت علمت مسبقاً من زميلتها نادية أن الحاجة فوقية تشغل الوحدة رقم 1 من قسم العناية
القت نظرة على القسم ,,رأت عدد كبير من الناس  أمام الوحدة التى بها الحاجة فوقية
كان بداخلها تساؤل:
ماهو السر وراء هذة العجوز التى اتى معها هذا العدد من الناس؟

**********************

أتت أحلام فى اليوت التالى متأخرة قليلاً عن موعدها
أسرعت فى عجلة الى حجرتها لتغيير ملابسها
توقفت لحظة أما العناية المركزة,
عدد غير بقليل من الناس امام وحد الحاجة فوقية
الغريب انهم كانوا غير الذين أتوا البارحة!!

ظلت أحلام طوال اليوم وهى تعمل عقلها مشغول بالحاجة فوقية
ماخطب هذة السيدة؟
ماذا يريد الناس من عجوز القاها المرض فى آخر سرادق الزمن
ما المميز فى سيدة افقدهها الموت كل شئ وهو يدق على باب حجرتها!!
أفقدها صوتها فلم تقوى حتى على الصراخ من مفاجأته لها!!
أفقدها لحظاتها وتفاصيل حياتها
أحالها مومياء فرعونية وقام عابثاً بتحنيطها ليُطيل من ألمها!
وقف أمامها مخبأً يديه فى جيبه كى يحرمها أن تمسك بهما فينتقلا معاً الى عالمٍ غير العالم
ولكنه هنا ليُعلمها عن وجوده لها!
ما أحقره!!

كانت قد عزمت على اكتشاف سر هذة السيدة
ولعلمها أن الدكتور عصام صارم جدا فى أن يُخرج أى تفاصيل شخصية خاصة بحالاته
ومن يعمل معه ان فعل ذلك كان له نصيب لا بأس به من التوبيخ
وأحياناً من العقاب
اذن , فصديقتها نادية لن تُفيدها بشئ
عليها أن تكتشف ذلك بنفسها

ذهبت مسرعة الى قسم العناية المركزة لتجد أناس كثر متجمعة أمام الوحدة
نظرت من الزجاج لترى اثنين داخل الحجرة
أتاها من خلفها صوت نادية وهى تقول:
"لقد أفاقت اليوم,
لم تنقطع الزيارات مذ افاقت, نحاول أن نسيطر عليهم لكى لا نُرهقها
لم أرى فى حياتى مثل هذا الكم من البشر يأتى ليطمئن على بشر آخر
لا تستطيع هى الكلام كما توقعنا, افقدتها الجلطة النطق ولكنى سأدخل لها كراسة وقلم لكى تستطيع على الاقل ان تكتب لهم ما تريد قوله..."

********************

مر يومٌ آخر بنفس التفاصيل 
ونفس التساؤلات!
أناس كثر مختلفين فى كل مرة يدخلون قسم العناية المركزة
يتناوبون بالزيارة للحاجة فوقية
ومن لا يُسمح له بالزيارة عند انتهاء موعدها او الحد المسموح به يحزن كثيراً
ترى هى ملامح هذا الحزن فى تلك اللمعة التى تغطى اللهفة لرؤيتها.

كانت فى حجرتها عندما سمعت  وقع أقدام مسرعة خارج الغرفة وصوت دكتور عصام وهو يقول لاحدى الممرضات :" ابعثى لى بنادية بسرعة
ان الحاجة فوقية فى حالة خطرة!"

أسرعت أحلام خارج حجرتها 
وقفت ترقب المشهد من بعيد
ماهى الا دقائق حتى خرج دكتورعصام وتحدث قليلاً مع شاب فى الخارج كلمات معدودات
أجهش الشاب بعدها فى البكاء!!
حتى انه استند على الحائط بكفه كى لا يسقط من صدمة الخبر
لم تحتاج الى الكثير لتعرف ما حدث
لقد ماتت السيدة فوقية...

منظر ذلك الشاب القى فى قلبها الاسى كثيراً
مر بجانبها الدكتور عصام ثم رجع اليها  بعد ان تقدمها خطوة وكأنه نسى شيئاً قائلاً
"أحلام,, ان نادية مشغولة مع حالة اخرى ابحثى بين هؤلاء عن احد اقارب الحاجة فوقية لنكتب تقرير الوفاة "

ذهبت الى ذلك الشاب ربتت على كتفه قائلة :
"البقاء لله"
رد بهمهمات غير مفهومة
قالت:"هل انت ابنها؟"
قال:" بل انا احد معارفها!"

رأت سيدة تجلس كان يحجبها ذلك الشاب عن رؤياها من هناك
جلست بجانبها وقالت :" البقاء لله,, فضلاً نحن نريد أحد اقربائها لاستلام تقرير الوفاة"
استدارت لها السيدة وقالت :" انا جارتها , ان فوقية لم تتزوج يا ابنتى وليس لها اقرباء
كانت وحيدة تماماً"
واستمرت السيدة تحكى لها علاقتها بفوقية وحيرة أحلام تزداد,,,

*********************

وقفت أحلام فى النافذة وهى ترى هذا الكم الهائل من الناس الآتى لاستلام الجثمان
كيف يأتى هذا العدد لسيدة وحيدة لم تنجب يوماً لوم يكن لها أقرباء من قريب او من بعيد

كانت تشعر بالحزن من داخلها
أخيراً أخرج الموت يديه من جيبه
وشبّك اصابعه بأصابعها وطارا كعاشقين الى ارضٍ غير الارض
حيث لا يهم الوقت ولا الزمن

دخلت الى الوحدة رقم 1 حيث كانت ترقد السيدة فوقية
اخدث تتأمل كل ركن فيها وبقايا هذة السيدة تثير الحزن داخلها
لم ترها ولنها تشعر انها تحبها لا تعلم لماذا,, لقد احبت سيرتها وتميزها

لم تكتشف سرها,,,لم كانت مميزة بهذا الشكل

اوشكت على الخروج حين لمحت خلف السرير شئ أخضر!
انحنت لاخراجه ,
فإذا بها الكراسة التى أتت لها بها نادية لتكتب بها كبديل عن الكلام..
فغرت فاها من الدهشة حين فتحت الكراسة لترى أن صفحاتها كلها قد كُتب بها جملة واحدة مكررة فى الصفحة الواحدة أكثر من ثلاثين مرة :

"رب لا تذرنى فرداً وأنت خير الوارثين"

انسابت على خديها دمعة وهى تقول:
"شكت الوحدة الى الله
فآنسها الله بالناس فى الدنيا
الى أن تلقّاها ليؤنسها هو فى الآخرة!"



ملحوظة: هذة القصة مأخوذة من الواقع




هناك تعليقان (2):